أدب

الرحلة الثالثة لإخوة يوسف إلى مصر

الرحلة الثالثة لإخوة يوسف إلى مصر:
صالح الصادق سلطان

 

مقالات ذات صلة

ــ كانت الرحلة الأولى لشراء الطعام، وعادوا بالطعام وثمنه معا، وكانت الرحلة الثانية بدعوة كريمة من عزيز مصر من أجل إحضار أخيهم بنيامين معهم، وانتهت الرحلة بعودتهم إلى أبيهم دون بنيامين؛ فاشتد حزن يعقوب حتى أصيب بالعمى، ومع ذلك كان لديه إحساس بأن يوسف لا يزال حيا، وهو ما أكدته الرحلة الثالثة.
ــ بدأت الرحلة بوصية يحثّ فيها يعقوب أبناءه على الجدية في البحث عن يوسف وأخيه وعدم اليأس من رحمة الله، {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}، والمتأمل للوصية يلحظ:
1ــ أن يعقوب لم يقل: “ابحثوا”، وقال: “تحسّسوا”؛ لأن البحث يتضمن سؤال الناس بشكل مباشر، إنما التحسس التماس الشيء بالحواس دون أن يشعر بذلك أحد، والتحسّس يكون في الخير، والتجسّس يكون في الشر؛ لأنه هو البحث والتفتيش عن عورات الإنسان؛ ولذلك نهى الله عنه في قوله: {ولا تجسّسوا}، في حين أمر يعقوب أبناءه بالتحسّس، والمراد أن يستخدموا حواسّهم المباشرة واللامباشرة من سمع وبصر وشمّ وتذوق ولمس وإحساس وتربّص في البحث عنه؛ لأن الحواس مصدر المعلومات.
2ــ هذه الوصية تؤكد إحساس يعقوب بأن يوسف حيّ؛ لأنه مؤمن بصدق رؤيا يوسف وتحقيقها، لكن إذا كان يعقوب مؤمنا بأن يوسف حيّ، فلماذا الحزن الشديد عليه؟ كان حزنه على فقده لا موته، والفقد أصعب من الموت، فالحزن على الميت ينتهي بعد مدة قصيرة، أما الحزن على المفقود فمرهون بمعرفة مصيره.
3ــ نلحظ أن يعقوب خصّ في الوصية يوسف وبنيامين ولم يذكر أخاهم الكبير، علما بأنه ذكره في دعائه {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا}؛ لأنه يعلم أنه باقٍ في مصر برغبته، إنما يوسف مفقود وبنيامين محتجَز.
4ــ نهاهم عن اليأس والقنوط؛ لأن الرجاء في رحمة الله أصل من أصول عقيدة المؤمن، واليأس من صفات الكافرين.
ــ لما دخلوا على يوسف عدلوا عن وصية أبيهم إلى الشكوى، {قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}، عدلوا لأنهم رأوا أن بنيامين لا يحتاج إلى استعمال التحسس معه، إنما يحتاج إلى ترقيق قلب العزيز ، فإذا رق قلبه رد لهم بنيامين، ويوفرون جهدهم للبحث عن يوسف، وبدأوا كلامهم بحسن الاستهلال، فنادَوه بما يستحق {يا أيها العزيز}، ثم استعطفوه لترقيق قلبه عليهم، فقالوا له: {مسّنا وأهلنا الضُّر}، أي أصابنا جميعا الضعف الجسدي من كثرة الجوع بسبب الفقر، والضُّر بالضم هو ما يصيب البدن من مرض وغيره، والضَّر بالفتح مقابل النفع.
ــ ثم قالوا: “وجئنا ببضاعة مزجاة”، البضاعة نقودهم، ومزجاة مدفوعة دفعا لعدم الرغبة فيها، والمقصود بها نقود قليلة لا تكفي لشراء الطعام أو نقود رديئة ليست منقوشة بصورة ملك مصر، فخافوا ألا يقبلها العزيز، ومع ذلك طلبوا منه إيفاء الكيل والتصدّق عليهم، فقالوا له: {فأوف لنا الكيل وتصدّق علينا}، والمراد بالتصدق ردّ أخيهم إليهم أو إعطاء الطعام الكثير بالمال القليل، ولا يقال: (تصدّق علينا) إلا لمن يَرتجِي الثواب، ومن ثم فلا يجوز في الدعاء “اللهم تصدّق علينا”؛ لأن الله لا ينتظر إثابة من أحد، لكن هل يجوز التصدّق على الأنبياء وأبنائهم؟ قيل: إن ذلك كان جائزا قبل نبينا محمد.
ــ ماذا كان ردّ يوسف عليهم؟ {قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ}، وهو استفهام مجازي غرضه تعظيم ما ارتكبوه في حق يوسف وبنيامين، فسألوه {أإنك لأنت يوسف}؟ وفي قراءة أخبروه (إنك لأنت يوسف) فأجابهم أو أكد لهم: {أنا يوسف وهذا أخي} مع أنهم يعرفون بنيامين، لكنه قصَد من ذلك أن هذا بنيامين الذي ظلمتموه مثلي! ثم بيّن لهم فضل الله عليه وعلى أخيه، فقال: {قـد مـنّ الله علينا} أي أنعم علينا بالغنى بعد الفقر وبالعز بعد الذل وبالرفعة بعد الخفض، ثم قرّر قاعدة أساسية في الجزاء فقال: {إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}، وفيها إشارة إلى أن التقوى والصبر يؤديان إلى الإحسان.
ــ هنا اعترف إخوته بفضله عليهم وجُرمهم في حقه، فماذا قالوا له؟
صالح الصادق سلطان

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى